بن عيسى باطاهر

204

المقابلة في القرآن الكريم

فقد دعا إلى الاجتهاد لأنّ التقليد ليس بعلم « 1 » ، وهذه الكلمات القليلة تقيم منهجا كاملا للقلب والعقل ، بشمل المنهج العلمي الذي عرفته البشرية حديثا جدا ، ويضيف إليه استقامة القلب ومراقبة اللّه ميزة الإسلام على المناهج العقلية الجافة ، فالتثبت من كلّ خبر ومن كل ظاهرة ، ومن كل حركة قبل الحكم هو دعوة القرآن الكريم ، ومنهج الإسلام الدقيق ، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم والخرافة في عالم العقيدة ، ولم يبق مجال للظنّ والشبهة في عالم الحكم والقضاء والتعامل ، ولم يبق مجال للأحكام السطحية والفروض الوهمية في عالم البحوث والتجارب والعلوم » « 2 » . ونخلص إلى النتيجة الهامة التالية وهي أنّ القرآن الكريم بدلائله الواضحة يدعو إلى الاجتهاد ، وطلب الدليل ، ويحبّذ النظر العقلي في جميع المسائل للوصول إلى الحقيقة ، ونشير أيضا إلى قضية أخرى هامة وهي أنّ من يستقرئ تاريخ الاجتهاد في حياة الأمة الإسلامية « يلاحظ أن هناك علاقة عضوية بين ازدهار هذا الاجتهاد وتقدّم الأمة وقوتها ، وأنّ ضعف الأمة وتخلفها كان من ورائه تخلف الاجتهاد وضعفه ، وهذا يعني أنّ الاجتهاد مناط القوة والتقدم للأمة الإسلامية ، لأنّ مدلوله العام لا ينصرف إلى استنباط الأحكام العلمية فحسب ، ولكنّه يشمل كلّ مجالات الحياة المختلفة من حيث أنّه قوّة تحرّك كلّ الطاقات نحو العمل المتقن في شتى الميادين » « 3 » . ونتحدث الآن عن المقابلة بين الاجتهاد والتقليد في سورة « التوبة » فقد ورد فيها تقابل ضمني بين معاني الاجتهاد وطلبه ، وبين معاني التقليد وخطره وذلك في قوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

--> ( 1 ) ابن قيم الجوزية ، إعلام الموقعين عن ربّ العالمين - ج 2 - ص 188 . ( 2 ) سعيد حوى - الأساس في التفسير - ج 6 - ص 3068 . ( 3 ) محمد الدسوقي - الاجتهاد والتقليد في الشريعة الإسلامية - ص 9 .